أبي الفرج الأصفهاني
254
الأغاني
قال أبو خليفة : قال ابن سلام : فأنشدني معاوية بن عمرو ، قال : أنشدني عمارة بن عقيل لجرير يرثي الفرزدق بأبيات منها : فلا ولدت بعد الفرزدق حامل ولا ذات بعل من نفاس تعلَّت [ 1 ] هو الوافد المأمون والرّاتق الثّأى إذا النعل يوما بالعشيرة زلَّت [ 2 ] أخبرني أحمد بن عبد العزيز ، عن ابن شبة بخبر جرير لمّا بلغه وفاة الفرزدق ، وهو عند المهاجر ، فذكر نحوا مما ذكره ابن سلام ، وزاد فيه ، قال : ثم قال ، وبكى ، وندم ، وقال : ما تقارب رجلان في أمر قط ، فمات أحدهما إلا أوشك صاحبه أن يتبعه . في أي سنة مات : قال أبو زيد : مات الحسن وابن سيرين والفرزدق وجرير في سنة عشر ومائة ، فقبر الفرزدق بالبصرة ، وقبر جرير وأيوب السّختياني ومالك بن دينار باليمامة في موضع واحد . وهذا غلط من أبي زيد عمر بن شبة ، لأن الفرزدق مات بعد يوم كاظمة ، وكان ذلك في سنة اثنتي عشرة ومائة ، وقد قال فيه الفرزدق شعرا ، وذكره في مواضع من قصائده ، ويقوّي ذلك ما أخبرنا به وكيع ، قال : / حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات ، قال : حدثني ابن النّطَّاح ، عن المدائنيّ ، عن أبي اليقظان وأبي همّام المجاشعيّ : أن الفرزدق مات سنة أربع عشرة ومائة . جرير ينعي نفسه ويرثيه : قال أبو عبيدة : حدثني أبو أيوب بن كسيب من آل الخطفي ، وأمه ابنة جرير بن عطية ، قال : بينا جرير في مجلس بفناء داره بحجر إذ راكب قد أقبل ، فقال له جرير : من أين وضح الراكب [ 3 ] ؟ قال : من البصرة ، فسأل عن الخبر ، فأخبره بموت الفرزدق ، فقال : / مات الفرزدق بعد ما جرّعته ليت الفرزدق كان عاش قليلا ثم سكت ساعة ، فظننّاه يقول شعرا ، فدمعت عيناه ، فقال القوم : سبحان اللَّه ، أتبكي على الفرزدق ! فقال : واللَّه ما أبكي إلا على نفسي ، أما واللَّه إن بقائي ؛ خلافه [ 4 ] لقليل ، إنه قل ما كان مثلنا رجلان يجتمعان على خير أو شر إلا كان أمد ما بينهما قريبا ، ثم أنشأ يقول : فجعنا بحمّال الدّيات ابن غالب وحامي تميم كلَّها والبراجم
--> [ 1 ] تعلت المرأة من نفاسها : انقضت عنها مدته . [ 2 ] الثأى : الفتق . [ 3 ] من أين وضح الراكب ؟ : من أين طلع ؟ وفي بعض النسخ « أوضح » بدل « وضح » وهما بمعنى واحد . [ 4 ] خلافه : بعده ، ومنه قوله تعالى : * ( لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ) * .